✒️ / حميد الغزالي ٠٠٠
الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم :
قال تعالىٰ علىٰ لسان الطاغية فرعون :
(( قال فمن ربّكما ياموسىٰ ))
طه 49 ٠
وقال أيضا :
(( وقال فرعون وما ربّ العالمين ))
الشعراء 23 ٠
قد يتبادر إلىٰ ذهن الكثير منا إستفسار يهدف إلىٰ معرفة الغرض من تكرار السؤال الوارد في الآيتين السابقتين في حوار ساخن بين سيدنا موسىٰ وأخيه هارون وفرعون في موقف ومشهد واحد، أليس من المتوقع أن يكون السؤال المطروح هو سؤال واحد فقط!!
فلماذا تكرر السؤال ؟ وما الغرض من ذلك؟ !
فمن يتوقع ذلك فقد يدرك في نفسه أنه محق في تساؤلاته بالفعل !!٠٠
ولكن المتأمل بدقة في مضمون الآيتين سيجد أنهما سؤالين إثنين، مختلفين عن بعضهما في المعنىٰ والدلالة، غرضهما بيان وتوضيح ما يأتي :
1- إعتراف وإقرار فرعون بوجود الله وألوهيته في قرارة نفسه ولا لبس فيها، ولكنه يبطن معرفته به ٠
2- إنكاره الشديد وجحوده لحقيقة وجود الله في ظاهر قوله وعمله، وتضليل ذلك علىٰ الرأي العام ٠
ففي الآية الأولىٰ يسأل فرعون سيدنا موسىٰ بالقول :
(( فمن ربكما ياموسىٰ )) ٠
فإننا نجد هذا السؤال يكشف لنا ما كان يطويه فرعون في مكنونه من معرفته بوجود الله وألوهيته وربوبيته حقيقة، لاشك فيها، وذلك حاصل بدليل ورود إسم الإستفهام ( من ) للعاقل، الذي قد تعين لدىٰ فرعون بين جملة الآلهات كذات أو جثة في نظره ، ولذلك قال :(( من )) للعاقل، فخصه بالأهلية بين الآلهات الأخرىٰ والتي كانت غالباً هي عبارة عن جمادات، كيعوق ويغوث ونسرا ٠٠٠ ولكن فرعون يريد أن يسأل هنا عن صفاته، أما الذات فهي معلومة لديه معرفة معنوية غير ملموسة في الواقع ٠٠٠٠
ومن هنا علمنا أن فرعون لديه المعرفة بحقيقة وجود الله وأحقية ألوهيته وربوبيته وعبادته، ولكنه طوىٰ كل ذلك في مكنون نفسه فقط !!
وأما في الآية الثانية فقد أطلق فرعون سؤاله بالقول :
(( وما رب العالمين )) ،
فإننا نجده هنا يسأل عن ماهية رب العالمين ونوعه ، فهو يسأل عن الذات أو الجثة لا الصفات، لأن قوله ( ما ) يُسأل به عن غير العاقل، كقوله تعالىٰ :
(( وما تلك بيمينك ياموسىٰ ))،
فتلاحظ هنا مدىٰ الإنكار والجحود لمعرفته بالله عز وجل، لغرض تضليل حاشيته ورعيته عن دعوة سيدنا موسىٰ، وأنه لا إلٰه في هذا الكون ولا رب إلا فرعون، خشية علىٰ زوال ملكه وعرشه، لأن رغباته تتعارض مع رسالات السماء، وقد لمس ذلك التعارض و تعمد الإنكار والجحود، إنكاراً صريحاً ظاهراً للعيان قولاً وعملاً ٠٠٠
ومن هنا وظف القرآن الكريم هذه الآية لتثبت دلالة ذلك النكران في ظاهر فرعون لوجود الله حقيقة قولاً وعملاً، وهذا هو الفرق بين المعنىٰ الدلالي بين السؤالين في الآيتين الآنفتين ذكراً ٠٠
ولو أن فرعون لم يكن لديه معرفة بحقيقة وجود الله عز وجل ، مستيقناً ذلك لما إستحق العذاب، لأن الله يقول :
(( وما كنا معذبين حتىٰ نبعث رسولا ))
الإسراء 15 ٠٠
ومما سبق :
لعلنا أدركنا الغرض من ورود السؤالين في الآيتين، ومدىٰ الفرق بين معنيهما ودلالاتهما واستوعبنا شيئاً من النفحات البلاغية للقرآن الكريم ٠٠
أخيراً أيها الأعزاء :
لعلي بهذا أكون قد أصبت الصواب حسب فهمي لمدلول الآيتين فأفدتكم وأتحفتكم به ، فإن تحقق ذلك فبتوفيق من الله تعالىٰ، وإن لمستم خطأ فهو فمني ومن الشيطان ،، واعذروني ٠٠٠
وأسال الله لي ولكم الهداية والتوفيق ٠٠٠
¥¥¥¥¥¥¥¥¥¥¥¥:

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.