يحيىٰ اليازلي
(1)
في طريقك المليء بالمخاوف للم أشتاتك السائحة في أدب المشهد الراهن في كتاب.. وقراءاتك الأدبية حول الشعر الشعبي المناهض للعدوان… تشعر وكلك أمل بأنك قد خطوت وإن كانت بطيئة، مسافة لا بأس بها وأنك لا بد أن تشد على قلمك لتسرع، وتستمر في هذا الاتجاه الجميل والمرعب في آن..
مليء بالمخاوف.. لأنك وأنت الشجاع وقد كتبت في الصحف وفي الانترنت ضد العدوان ومن أول الثورة مقالات قوية لكنك تخشى عداوة الأصدقاء أو ”الأعدقاء” إذا جاز التعبير. تعيش في وسط أدبي مع الاستثناء طبعا لا يقدر معنى وأهمية الكتابة في الأدب.. إلا من زاوية ضيقة، لكونه حديث الولادة، وهذه مشكلة، لأنك لا تستطيع أن تكتب عن أخطائه وانحرافاته لتقومه.. لأنه لا يفهم إلا لغة الإطراء والتزكية.. وإلا ثارت ثوائره.. وفي حالة سلمت له تقديرا لظرف الطفولة.. وهنا استثناء أيضا.. وبدأت تكتب بمنهجية تسليط الضوء على إيجابياته من باب ”انح نحوها”.. وجدت أنه لا ينظر إليك كموجه معرفي له إلى فضاء أكثر إبداعا. سيعتبر السير على رؤيتك اعترافا بالأبوة، وهذا في نظره عيب، في حين أن المنطق يقول أن لا أبناء بدون آباء. سيرى أن ما تمنحه في الوعي لا مناص من إنكاره مع أنه يأخذه ويخفيه وينكر.. وإذا فأنت يا شيخ كمن ينفخ في قربة مقوعة.. أنت تكتب عن وفي وسط أعمى أكمه.. لا يعي ولا يريد أن يعي ما يضره وما ينفعه.! والاستثاء قائم بالطبع.. فإذا خالفته فارت في رأسه النزعة العدوانية… ومع ذلك كله سأواصل الكتابة عن المشهد وسأختار دون محاباة وأركز على الجميل بغض النظر عن كون صاحبه مغمورا أو معروفا..
(2)
هل يحق لنا فرز الأدب على أساس أدب نسائي وآخر رجالي… وإذا كان يحق لنا ذلك فلماذا حين نكتب عن أدب رجل لا نضعه تحت هذا العنوان.. الأدب الرجالي.. لماذا نجد في اغلب المجتمعات هذا الفرز والتصنيف.. الغريب… ولماذا سكتت الأديبات عنه وأكثر من ذلك قبلن به واعتبرنه من المسلمات.. وانضوين تحته كعنوان معبر عن كيانهن الأدبي النسوي كأنهن عالم منفصل عن الرجال.. فهو يشعرهن بالقوة ربما أو الاكتمال.. وستأتي شاعرة لتقول أن هذا الشيء كرسه الرجل في الواقع.. ولا أدري إن كان هذا موجودا في المجتمع الغربي.. لكني أعتقد أنها فكرة غربية برمتها.. لأني لم أجد في تراثنا العربي فرزا بهذا الشكل.. وقرأت في الأدب العربي قصصا أدبية تحكي عن نساء متفوقات في الشعر وروايته ونقده دون ممايزة بينهن والرجال.. كما هو مذكور في قصة الفتاة تودد في الف ليلة وليلة وغيرها كالفتاة التي كانت تحفظ القصيدة من أول مرة.. في قصة الأصمعي.. وكانت الخنساء تضارع شعراء المعلقات وتظاهيهم.. وسكينة بنت الحسين راوية وناقدة للشعر.. كل ذلك ولم نشعر بوجود تمايز أو فرز.. فما الذي جرى…
(3)
هذه المرحلة التي يواجه فيها البلد العدوان أفرزت شعراء وشاعرات يكتبون القصيدة الشعبية العامية بغزارة وجمال لافت، ومنهم الشاعرة ”وفيه العمري” والتي تكتب القصيدة الثورية والمناهضة للعدوان ببساطة وصدق متناهيين.. وهي الشاعرة الأجمل آداء وإلقاء وتفوق كثيرا من الشاعرات. ولها قصائد منشورة تتسم بالحركية والتحفيز.. وحماسية نابضة فيها من الفخر والاعتزاز بكونها تنتمي لوطن قوي تستمد منه القوة والإباء وينعكس ذلك الشموخ والاعتزاز في نصوصها التي تبث الرعب في صفوف العدوان من خلال قصائها تمتزج مشاعر الانتماء بانفعالات القوة، زنجبيل الكرامة بعبق التاريخ.. وفيها رسائل قوية محفزة لرجال الميادين.. وتقلق الأعداء بجزالة الكلمات وقوة النظم..
لقد شهدت الساحة الثقافية في اليمن في العشر السنوات الأخيره طفرة نوعية في الشعر الشعبي العامي على وجه الخصوص، وظهر جيل إبداعي غاضب.. يمخرون عباب الأدب بحيزوم القصيدة العمودية بكل ثقة واقتدار، واحتلت قصائدهم الحربية مكانة بارزة على منصة الأدب العربي المقاوم.. لكل أشكال الغزو والاحتلال الغربي المتغطرس والثقافة الصحراوية الضحلة..
الشاعرة ”وفية العمري” تقف وسط هذا الزخم الشعري بثقة.. وتلقي قصائدها بتميز.. وقرأت لها باقة رائعة من النصوص منها ”سجادة العشق”.. ”شواقيص الحسد”.. ”ذروة المناسك”.. ”يا الساحل اتنشنش”.. ”سلم الإباء”.. ”وحدتي”.. ”حديث الروح”.. ”أنا اليماني”.. ”يد أمريكا”… وكلها عناوين قوية تدل على أنها شاعرة مميزة ولها بصمة جميلة في المشهد الثقافي.. المناهض للعدوان.. وهناك شاعرات مبدعات أيضا سأحاول تناول أدبهن في كتاباتي القادمة.
تتناول وفيه العمري في قصائدها قضايا ثورية وإنسانية.. وتحاول برغم حشدها الكثير من المفردات الجزلة والصور الصاخبة أن لا تتكلف ولا تدعي ما لا تلامسه.. وتستخدم الأدوات المنسجمة مع قدرتها الثقافيه والحسية..
وهناك شعراء وشاعرات تقمصن دور المحارب في جبهات القتال.. واستحضرن مفردات لا يعرفنها أساسا.. كأسماء بعض الأسلحة التي لا يعرفها المقاتلين في الميادين.. وهذا غير منطقي.. ومفسد للشعر وضحك على العوام.. وليس فيه صدق ملموس محسوس..
أضف إلى ذالك استحضار البعض في قصائدهم أدوات لم تعد صالحة في واقعنا.. كالسيف والرمح والخيل.. والحديث حول هذا التداعي الشعري الفاسد يطول….
(4)
سجادة العشق لا تشير إلى شيء سوى الصلاة.. وأنه عشق مقدس.. قد تطهر وأقام الصلاة.. وكيف لا وشاعرته كتبت الشعر.. تكتبه كصائغ الذهب مرصعا بأنفس الكلمات والمشاعر… وإذا أنشدته تنشده كابتهالات صوفي خاشع في المحراب.. لا يكف عن رفع أكف القلب بأطياف الرجاء… أنت في حضرة شاعرة شيدت من سبحات الروح معبد الابتهال.. فانثال من عبق كلماتها عطر الجمال..
شاعرة كلها قلب وشعرها كله خفقان.. وبرغم ذلك يرتعب شر العدوان وفلوله من كثر ذوبانها في عشق الوطن… وتأمل قصيدة العشق.. تأملها بعيني إنسان.. ستجد الكم الهائل من الخفقات الدافئة.. توشح بها جسد الوطن البارد.. وستستغرب وأنت في مستهل عتباتها وكيف يتصدع مرفأ الصمت الذي تقف عليه بقلبك قبل أذنيك.. شاعرة تقطف ورود روحها هبة لحياة أرض أحبتها. بحجم السماء.. وتجري أنهار عروقها سقيا لشعب تجرعت من أجله عطش العناء.. وأكثر من غيرها من الشعراء.. قالت كل هذا البهاء..
سجادة العشق
دُقً قلبي يا وطن فالباب لك مفتوح واصل
والرئه مسرح عليها الروح غنًت والمسام
والشرايين اصبحت في خافقي زهر ومشاتل
ترتوي من نهر عشقك ذي جرى بين العظام
قد سكبتك عطر في دمي..فؤادي..والمفاصل
والكبد لك قصر شامخ والحشا لاجلك غمام
والهوى الميمون ذي خيًم بقلبي لك قوافل
صافح اغصان التفاني. واحتضن جذع الغرام
اعشقك يا نبض نبضي يا تسابيح الجدايل
واعصر اوجاعي واغسًل بالهوى وجه الظلام
فاليمن سجادة العشق المطرز بالنوافل
واليمن قاموس بالعزه المضيئه مُستهام
واليمن مهد الحضارات الاواخر. والأوائل
مجدها بوابة التاريخ. واجفان السلام
واليمن عُقد الصبايا ذي تجلًت سم قاتل
للعدو الباغي ولا صحاب المِطامع واللئام
مجدنا باروت فًزًت من ثناياه النواصل
جرًعت كل الطواغيت المنية. والحِمام
زلزلت حلف المماسيخ الوضيعين الأراذل
واسرجت فوق الثريا وامتطت سرب الحَمام
من دم الأطفال ..واشلاء الصبايا والأرامل
وانتفاضة أم تنشد قلبها بين الركام
من تناهيد الأماني النازفه نبض السنابل
من تراتيل المآذن وابتهالات الإمام
سبًحي خشم البنادق..وارعدي هام الجرامل
في مشوش اعداء دين الله حيليهم حُطام
إرعدي. شقًي وقًي واحرقيهم حرق كامل
وانسفي الأبراج يا شُم الشماريخ الجسام
يا سيوف الحق في الهيجاء براكين وزلازل
في رحاب الله تمضي قنص تصنيع اقتحام
هب ريحان الكرامه في مسامات المقاتل
واطلق الألآم من قلب اليماني كالسهام
عزًنا بالله قاهر. كل أحقاد. البواطل
نستمد العون منه لو علينا الكون حام
ذي مسخ فرعون. خلًى حلف واشنطن جنادل
بين أنياب الإسود السمر عاما. بعد عام

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.