✒ هنادي خالد
هذا الجزء من النص يرتسمُ أمامي في كُلِّ مرةٍ أرى فيها مشهدًا مليئًا بالقسوة،
يخيلُ إليِّ أن الإنسان الذي يتلقاها يعيشُ أبشعَ أنواعِ الغُربة،
الغُربة حيث الأهل والسكنِ والمُوطِن،
الغُربة التي تجعل من ذاك الإنسان يتسكعُ
في الشوارعِ باحثًا عمن يُتيح له فرصةً للعمل لديه فحسب،
لكن دون جدوى؟
الغُربة التي تُجبِرهُ على الوقوفِ لساعاتٍ أمام الرصيف، حاملًا مِعوله وفأسه،
مُترقبًا كُلِّ سيارةٍ تمرُّ أمامه علّ صاحبها يقفُ ويطلُب منه الصعود ليحضى بعملٍ يكسبُ من ورائه مايُؤمِن به قُوتَهُ والزَّاد.
ولعلَّ الغُربة تكونُ أقسىٰ وأشد عندما لا تُتاح لهُ مثل هذه الفُرصة،
فَـ تمرُّ ساعاتِ الإنتظار طوال الصباح دون جدوى،
فتأتي المآساة الأعظم بعدها فيُجبر ذاك البائسُ للتسول،
ويبدأ مرحلة جديدة في البحث عما يُؤمن له القُوت والزَّاد ولعائلته التي يعول؛
يترددُ على نوافذِ السيَّارات وكلَّهُ ألم،
فتأتيه الأصوات التي تخرجُ من أجوافٍ مُمتلئة، قد أصابتها التُخمة،
– أذهب وابحث عن عمل بدل التسول !
– ألا تستحِ ؟!
– أنت رجل، عيبٌ عليك أن تطلب المال!
أحقًا أصبحنا نعيشُ في دُنيا من الحجر ؟!
أصِدقًا أصبحت قلوبُ الأغلبية مُتحجِرة لا
ليونة فيها ؟!
ألا يجدرُ بنا أن يرحم بعضُنا الآخر ؟
سئمنا من الكلمات والأخلاق التي اصطبغت
بها أحرف الكثير ؛ حيث لا جدوى من ذلك
والواقع يشهد العكس تمامًا.
جديرٌ بنا في أوضاعٍ كهذه أن نُسكِن في
قلوبنا المهجورة الرَّحمة، بل نجعلُها لها
موطنًا.
وعلى الجميع أن يُدرك أن معاناته ليست إلا
جزءًا ممايُعانيه الجميع، وإن كان الجميع ‘الغرباء حيث الوطن’ يعاني الأسوء والأشد.
#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة