عفاف البعداني
كثيرة هي الكلمات التي سبقتني هذه الليلة لمأدبة الكتابة، لم أنوي اللقاء بها، لكنه الشوق، و الحنين أخذاني دون علمي إلى هناك !! إلى حيث كنت أكتب وأصُفّ شعوري الهارب من كل شيء، إلى حيث كنت أُسفر بشعوري المحفوظ وأسترسل به، مع الطبيعة والليل والضوء والسكون وقراءة الروايات النائمة، ارتديت رداءً عريضا يغطي كل تجاعيدي الحسية ويجعلني مجهولة التلصص، مضيت خطوة وعشر خطوات ساورني الأمر في أن أعود، فلم أعد أراني هناك لم يعد المكان مكاني لقد أضعتني مرة أخرى.
اجتمعت كل مخاوفي في نفس النقطة التي كنت أتمرد فيها على كل شعوري بعباراتي المقصودة من خلف ستارة صماء، كنت أتشبث بها حد الإعياء، كنت أتحمل برودة الشتاء، وارتجاف الأنامل، لا أغادرها إلا حينما أكمل كتابة لغزي المعهود، وخاطرتي الخجولة غير المكتملة، أو أنتهي من قراءة رواية محددة، ولكن الآن الأمر مختلف جدا، أحاول أن أختبئ عن الحاجة لإقامة أي حديث، ترددٌ فضيع يفوق تصوري، يعيش بدمويتي التي قال عنها الطبيب منذُ شهر : أنها ضعيفة… لم يعلم الطبيب أنني أحتاج للكتابة أكثر من أي مكمل غذائي، الطعام لا يشفيني، الدواء لا يعنيني، الدفء لا يحميني، الكتابة، الاعتراف على حي السطور في تلك المأدبة هما كل ما أحتاجه.
ولازلت شاردة أترقب بنصف عين، حركة المارين، في زاوية لاسقف لها ، مصرة على أن أزور كلماتي و مكاني وكتبي دون أن يعو هم بذلك، ولكن يبدو أنني لم أتقن أحابيل المقابلة مع تلك المأدبة، فما إن اختبأت خلف باب قديم، حتى وجدتني مختبئة، عزني حين رأيتها متكأة في نفس المكان، تنتظر قدومي منذ زمن، لم يكن بيننا هذه المرة أي موعد ولكنها الأرواح تلاقت دون أن نعرف ودون أن نلفظ أي عبارات الشوق، روحي وروح الكتابة اجتمعت على تلك الطاولة تتنفس شيء جديدا من هدأة المكان، تقدمت بخجل مستتر لم أكن أنوي أن أقابل حروفي بهذا الشكل الهزيل، لم أرد أن تراني بهذه الشحة الحسية، إنها تريد مني أن أخبرها عن قصة غيابي لشهور متتالية ، وليس لدي أي كلمة من شأنها الحديث، ليس لدي ما أقوله أفضل الصمت على أن أسرد كلمة واحدة عن مر الصروف.
كان الجو لطيفا بعد ليلة ماطرة، ابتسمت بعمق ورأيت كل شيء كما تركته كتاب البرغوثي ذو ١٣٧ صفحة، ودفتر مذكراتي الشبه مليء ، والنافذة الملأ بالغبار، رفعت الستائر ونظرت، نحو الجبل العريض ، وعلى إثر حركة أشجاره الممشوقة، مسكت القلم واقتربت الأوراق أمامي دون أن أسحبها، حاولت أن أكتب لغزا جديدا ، وأعترف بشعور مقبور ، لكن لاجدوى، بحور مكتضة ومحبوسة بعيناي لم تدعني أرى أين هو السطر الذي يكتب عليه وما هو شكل الحروف لتتم الكتابة، فدموعي كانت أول الحاضرين وحروفي كانت أول الغائبين في تلك المقابلة، هزمت بالحديث وأنا التي لا أهزم، صمت وأنا الذي أختلج من صمتي سطورا غامضة لا حدود لها، تركت القلم وتركت الورق مبللة من حر العيون، ذهبت مع ماتبقى لي من إحساس، أمسكت بشدة على قلبي حتى لا يسقط حيث مأدُبة الكتابة، أو يقع في إحدى السلالم، كما سقطت دموعي قبل نصف ساعة على حين هلاك في تلك الطاولة .
استدراك : عندما مسكت قلبي بشدة ظننت أنني نجوت، ولكني اكتشفت أن روحي لم تأتِ معي، لقد تطامنت لتلك المأدبة، ونفت الذهاب معي إلى أي مكان آخر.
#الحملة_الدولية_لفك_حصار_مطار_صنعاء
#اتحاد_كاتبات_اليمن