تُعساء حد السعادة.

عفاف البعداني.

ما يتعلق بالحياة، مساعيها كثيرة، وطرقها متعددة،
فصولها باردة تقضم أظافرنا بلا رحمة، تنتزع منا الدفء بثوب خفيف مع علمها الكلي بأننا لسنا بصحة جيدة، فمثلاً: يولد الشتاء وهو مدربٌ تماماً على الصفير والتنفس بصقيعٍ بارد نحو أجسادنا النحيلة؛ حتى فصل الربيع الذي نتودد إليه ، يغادرنا بسرعة وكأنّ له مكانا آخر غير حقولنا، غيرسهولنا، غير جبالنا، غير صباحنا، ومع استمرار الحياة في سطح الأرض الموعودة، أدركنا تماماً أنه لا شيء يأتي بسهولة، كما أنه ذاهب بسرعة، بسرعة مريبة جدًا.

يخطف أعمارنا العشرينية، الثلاثينية؛ حتى الأربعينية لاتسلم منه، وقد كانت هناك قدرة متفاوتة لجزء كبير من البشرية أن تقنع نفسها بالسعادة وتتنحى عن التعاسة بإسم النجاح، أو الحصول على رتبة معينة أو الظفر بأي الرغبات المأمولة، والجزء الآخر تكيف مع ولوج المناخات المتلاحقة، تكيف على تواجد الشقاء والحرمان والفقد والإحباط دون إرادة، مع العزلة من أقرب الناس إليه ، و الوقوف عند محطة تكتفي بالقليل دون التطلع لمَ هو أفضل من ذلك! جميعهم كان قدرهم مكتوب ولكن هم من خطو نحو ماتمليه عليه ذواتهم المتفرعة.

والأنكى من هذا كله ليست بمعيار التكيف الذي وصل إليه كلا الصنفين بكل دافعية، بل هو بالكم الفضيع لكل تلك الخسائر التي ندفعها جراء ذلك العيش كل يوم، نصر على تعزيز مسارنا بطريقة لاتؤل بخير ، و نروم بسعادة لحظية تنتظرها التعاسة عند أقرب فرصة، لتصبح كالمهدأ، يخفف من حدة الألم لكنه لا يزول منه نهائيًا بل يضاعفه ويجعله ينمو بشكل مختلف، وتبقى الطمأنينة أعظم سر في الوجود، مسورة في أعماقنا وفي قلب الطبيعة بألف سور وألف باب وتنتهي بحاجب له ظل طويل وعينان شاردتان لايحب الحديث مع أحد، إلا مع الروح الخفيفة.

ولا أخفكيم أبدًا أن الحقب البشرية التي عاشت ليست كما تخيلناها ورسمناها في الصِغر، فلقد شاهدنا شخصيات كثيرة، الطيبة، الطموحة، البائسة الرحيمة، الشريرة الخارقة، لكننا صدقناها كلها بدون أي دليل، وقد التقينا بالأدلة صدفة عندما كبرنا في إحدى الأزقة، عندما عصفت بنا الرياح من كل صوب ولم يبقَ معنا أحد، عندما تقابلت الملامح الشاحبة وجهاً لوجه، وأذكر أنني تمنيت في إحدى الحلقات أن أقابلهم مع علمي الحقيقي أنهم مجرد أطفال كرتونية ولا سبيل لأن أجتمع معهم في عالم واحد، فالعم بيتالس والطفلة إيملي وإليثيا وكلبها الصائم روميو وذات الشعر الأحمر كلهم شخصيات اخترعها شخصٌ تغلبت عليه الحياة في إحدى أحابيلها المعقدة، فغلبها هو بخياله وتصوره الجميل لكل ماحوله .

وحتى أعيش في إطار البقية كان عليّ أن لا أسمع للأحياء بل أنصت لصوت السنابل السعيدة، كان عليّ أن لا أخرج عبقريتي وعفويتي للجميع، فلم أكن أذعن لقصص العصر الرخيصة، بل كنت أتأمل حكاية النحل الصغيرة التي تفقد حياتها عندما تلسع بشراً، وحكاية الطير الذي يظل محتفل بعزائه على قرينته الوحيدة حتى يموت ، الكثير من المواقف تعيش خلف الذاكرة وتؤثر على الواقع بشفرة متنحية نتجت عن ردات حسية متعددة، لها دور بارز على أرض الواقع وبعالمنا الداخلي الذي لايتصف بالكروية أو البيضاوي بل يتصف بالاضطراب لاستقبال كل مر، لكنه مخفياً من محاذاة الرؤية.

ولمّا كان العالم الداخلي مرآة عكست كل أفواه البراكين الخارج، كانت السماء وحدها محافظة على لونها الأزرق الباعث للحياة وسحبها التي تحب الخير للجميع، كانت الشمس وحدها من تعمل بدون إقتضاء أي راتب، وحده المساء يتحدث بخفة وحب ليس متصنع، وحده القمر يزور منازل الفقراء بإنصاف، وحدها الشموع تحمي عيوب الجدران المشققة برحمة، لم يكن عليا سهلاً أن أتأقلم كالبقية! أن أعيش كالبقية! أن أكتب كالبقية! أن أمر كالبقية! بل يعد من أصعب مخرجاتي في الحياة أن أكون كغيري؛ لكنني في نهاية الأمر وجدت الباب الأول للتفرد وهو أن أكون تعيسة من بين جموع غفيرة ، ولكن تعاستي هذه المرة عادت بنكهة مختلفة عليها البهجة، والإطمئنان بأنّ الغد يحمل شيءً مختلفاز لن يصل إليه أحد.

الحملةالدوليةلفكحصارمطار_صنعاء

اتحادكاتباتاليمن

أفاتار أقلام حره

بواسطة أقلام حره

مقالات إخبارية

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ