جهاد فايع
كتبت بدمع عيني،وبدم قلبي في ذلك اليوم،إنني أحترقُ وأذوب على كل شهيد ارتقى من محافظتي الأبيّة،شهدائنا كانوا صغار السن ووحيدين أُسرهم كان أحدهم أخي والآخرين أبناء عمي وذلك عمي
وذاك ابن جارنا وآخر كان خالي وغيرهم كانوا أبناء مدينتي وأخٌ لصديقتي،وهذا أبٌ للأطفال الذين يسكنون بجوارنا .
هكذا كان حالنا في عهدهِ الآلاف الشهداء ومئات الجرحى الممتدين على بقايا من فراش منازلهم المدمرة وعوائل لا تلقى ما تأكل وتسكن في تلك الكهوف المظلمة،أطفال يصرخون من شدة الجوع والبرد،وأنين الثكالى على ما حل برجالهم ومساكنهم،نجتمع على تلك المائدة وكلًا منّا تأكل باستبطاء لعل الأخريات يشبعن هن وصغارهن،
نترك المرضعة والحامل هن أول من يجلس على مائدة الطعام لكي تقوى على النهوض ولا تنهار وتتدهور صحتها .
أمي لا تكف عن القول ان لا شي سيدوم كما هو سينجلي ذلك الظلام وسنعود لمنازلنا ،كانت تدفئ قلوبنا بكلماتها قبل النوم لأننا لانجيد ما ندفئ أجسامنا له في تلك الجبال الباردة والأماكن المتثلجة.
كانت أختي الصغرى تلعب والطيران في تحليقٍ مستمر وكل من بجوارنا يصرخن عليها بالدخول للكهوف (الجروف)خوفًا عليها من ذلك الطيران الذي يترصد النساء والأطفال وبعضهن خوفًا على أولادهن الذي يملأون تلك الزوايا ،أختي التي أكبر منّي لا تفتك من قراءة القرآن وتطمين الأمهات أن كل شي سيكون على مايرام ،آبائنا وأِخواننا، وأزواج النساء اللواتي يمكثن معنا يأتون في ذلك الوقت المتأخر لزياراتنا فلا نرى وجههم المغطاة من شدة البرد ولا نسمع أصواتهم الا كـ خيالاً يداعبُ أذاننا ،نلتمس أيديهم فـ نشعر وكأننا نلتمس طرف صخرةٍ باردة وخشنة نحتضنهم فـ نمسك بأطراف خيوط قد رُبطت على ظهورهم تحمل في داخلها قرون قد ملأت بالرصاص وقنابل جاهزة للانفجار
لايمكثون الا بضع دقائق لانكاد نروي ضمأ قلوبنا من رحيلهم، نبكي فلا تكاد دموعنا تنزل الا وقد رحلوا واغلقوا ورائهم الأبواب،عفوًا ليست ابوابًا بل بقايا خشب وأكياس مُلأت بالتراب،قد سترنا بها على أنفسنا من أن يمر غريب فـ يكشف علينا،ننهض ما يقارب الفجر بعد أن توضأنا ونلملم بعض حاجيتنا الضرورية للحياة ولا نمتلك من ملذات الحياة او كماليتها شيء، في الحقيقة قد نسينا ما يلزم للساكن في بيت أن يمتلكه .
بعضٌ من الخبز ، اتاريك او مانسميه كشاف لأضاءة الطريق ،بطانية او اثنتان نغطي بهم الكبار في السن او الأطفال الذي لازالوا في أحضان أمهاتهم أما من كان يستطيع المشي منهم كـ الذي يبلغ من العمر 3 سنوات فإنه يعاني معنا مشقة الطريق والبرد والخوف والهلع والقلق الذي كان يتملكنا ان لا تطلع الشمس الا وقد وجدنا مكان يأوينا غير المنازل التي نسكن بها لأنها وبدون استثناء مهددة بالغارات نمشي في تلك الطريق ولا نعلم أين الوجهة وان حالفنا الحظ لقينا كهفًا او جسرًا نحتمي تحته من تلك الغارات التي تداوم علينا منذ الشروق الا غياب تلك الشمس التي كان غيابها نعمة نرتيجها ونتطلع لأتيانها بدلًا من البهجة عند شروقها فإننا كنا نتشاءم عند بزوغها وانارتها ،وان لم يحالفنا الحظ فإن تلك الأصوات ستزف إلينا بحقدها وجبروتها فـ تحلق وتضرب كل من رأته في تلك الساعات فلا تفرق بين نساء وأطفال ولا شيوخ وعجائز ولا بين جريح وعاجز عن الحركة ولا مجنون ولا عاقل ولا بشريًا ولا حيوان فـ طالما غارت بصواريخها وقنابلها على مجموعة حيوانات تبحث عن عشبها وكلاب تتسكع في الشوارع لا ترى بشرًا يزاحمونها وعلى قطيع من البقر او الأغنام وهي في رعيها ،كانت لا تكف عن المجازر فمن تعب من المشي واستند على صخرة او في جذع شجرة غارت عليه فقطعت أوصاله وسلبت من حياتها وطايرت أشلاءه حتى أنهُ لا يعرف من صاحب تلك الأعضاء المنتشرة في المكان هل كانت أم مع ابنائها او رجل شيخ مع زوجته او انه رجل ذاهب لمزرعته او طفلًا يلعب ببقايا تلك الشظايا ام انه حيوان يبحث عن ما يأكله .
هكذا هو الحال في النهار أما في ذلك الظلام الدامس فنعود للبيوت حاملين ماتبقى من الأطفال والنساء ومن تبقى منهم من قطعت ساقها، وآخر يحاول سماع مانقول لكنه قد سلب سمعه وذلك لا يستطيع المشي لأنه يعاني من سوء تغذية وفقر دم قد اصفر منه لونه وأخرى تبكي على بقايا لحم من طفلها،وأخرى قد جاءها خبر استشهاد أخيها
وتلك أم قد فقدت طفلها الأول التي لم تتمتع بالنظر لملامحه ولم تشبع من سماع صوته وهو يحاول قول بعض الكلام لم تطرب مسامعه وهو يناديها(ماما)
وأُخريات في المنازل ينتظرن وصولنا للاطمئنان علينا لكن ياليتنا لم نصل وقد ضاع نصفنا، بعضنا جرحى وآخر لم نعد إلا بقطعة من ملابسهم وآخر نحمل بعض من أشلائه نعود للمنزل نجر وراءنا الحسرة والقهر نعود وقد نال منا ذلك الطيار واستمتع بقتلنا نعود نحمل في قلوبنا هلع وخوف من ماسيجري في اليوم التالي وعلى من سيكون الدور في هذه المرة هل أنا من سأتمزق، أم أنها أمي او إحدى أخواتي أو صديقتي أو جارتي أو ذلك المسن الذي يقرأ القرآن، أم إننا كلنا
سنكون بخير لكنهم سيخبرونا بقتل أخي أو أبي أو زوج تلك المرأة التي يملأ المنزل أصوات أبنائها الكُثر .
هكذا كان حالنا في زمن زعيمكم الذي اعتبرتموه بحجم وطن هكذا كانت معاناتي انا وأقاربي في زمن كنتم تمكثون أمام التلفاز بالساعات لمشاهدة كلمات زعيمكم الذي ينتقي أفضل العبارات ليطرب مسامعكم بها،كنت لا أرَ ما آكل أنا وكثير من نساء الشهداء والمجاهدين بينما أنتم لا تعلمون ماحل بصعده وبأهلها.
كنت أحلم أن اللعب كأطفالكم الذي يستكعون في شوارع مدنكم لا يخافون طيران ولا ينتظرون قتل ابائهم او اخوانهم.
كنت لا أستطيع أن أشرب الماء حد الارتواء بينما أنتم تعيشون في منازلكم لا تهمون ما حدث وما سيحدث
وتقولون سلام على عفاش ؟!!!
بل لعن وقبح عندما سلب مني طفولتي وفرحتي عندما أخذ أخوتي وأهلي عندما يتّم أبناء مدينتي واخذ كل حقوقهم عندما عزل كثير من شبابنا في بيوتهم بعد أن فقدوا ذاكراتهم وقعدوا في غرفهم مجانين لا يعرفون مالهم وما عليهم،كنت اتوقع هذه النهاية فقط عقابًا بما سلبته مني أنا لوحدي فما بالك بأهالي صعدة جميعًا وما حلَّ بِهم ومآسيهم التي لازالوا يتجرعون ألمها إلى هذه اللحظة.
عفاش الرجيم لا سامحك الله ولا غفر لك فما عيشتنا فيه لا يُنسى وجرح حروبك لا زال ثقبًا ينزف في قلبي ولن ولم يلتئم ما دامك أخذت منا إخوتنا وآباءنا وجعلتنا نتجرع ألم فراقهم مدى الحياة ما قلته إلا شيء قليل من ما عانيته وعشت فيه،وعلى الباغي تدور الدوائر .