عفاف البعداني
“الجزء الثالث”
كان بمقدورك أن تنجو بكلمة، أن تعلن نفاذ صبرك وأنت لست بمُلام، كنت تستطيع أن تكف عن نفسك كل تلك الكسور منذُ البداية، امتكلت مالا يمتكله أي عقل بشري، وبه كنت تستطيع أن تكمل سيرك في التجارة وتطوير الإلكترونيات ومن ثم تتبرع لفلسطين بما قد جمعته من المال مثلك مثل العرب، الذين أحبوها من بعيد ولم يجرؤا أن يقتربوا منها حِفاظًا على حياتهم من الأذى ، ولكنك أحببتها حبا مختلف، حد الاقتراب والعذاب، ولا عجب ! فمن وهب نفسه لله و جهز رجالا استشهاديين إلى رام الله والضفة الغربية ،و قتل 67 صهويني، حريًا به أن يكون بائعا للدنيا ومتأهبا للمغادرة إلى صفو السماء، إذًا فلتعمل بك الحياة ماتشاء فأنت خلقت للجهاد والشهادة، وكما يبدو أن سلالة البرغوثيين تتصف بالشجاعة التي تعيش بمجرى عروقهم ونفسهم الحي باستمرار.
ولا أخفيك أيها البرغوثي… لقد اعوج صبري وأنا اقرأ كلماتك عندما قلت : ((إنسان محملا على نقالة لاينقصها سوى كيسا أسودا، من تلك الأكياس التي توضع فيها الجثث)) أي خلايا عصبية عاشت فيك حتى تتحمل كل تلك الضربات والأذى ، يقال أن الألم ما إن يحضر تبدأ الخلايا العصبية تحت الجلد بالاستجابة والشعور بالألم، ويبدأ الإنسان بفقدان طاقته التحملية مهما كانت ، ولكنك لم تكن سوى عودا كلما عضّو فيه اشتعل نارا ؛ليوجعهم بحر تكتمه وصبره، أيها المهندس بل أعني أمير الظل، بل أمير الطرقات من تكون بالضبط؟؟ إنه نفس السؤال الذي طُرح عليك من قِبل صديقك أيمن حلاوة، من تكون أيها البرغوثي ؟؟ حتى يُحكم عليك بخمسة آلاف ومئتي عام بالسجن 5200 ، من أنت حتى تقضي شيخوختك في تلك الزنزانة العاثرة.
أيها البرغوثي من أنت؟؟ أجبنا من داخل زنزانتك أي حب هذا الذي أوقعك في غياهب الجبّ، من أين يجلب الحب الفلسطيني حتى نَروح إليه، أدرت عمليات أودت بإصابة 500صهيوني، من أين أتيت بكل تلك الشجاعة، الصبر، الثبات، حتى نهِبُّ إليها فنحن بحاجتها جميعها، بالمناسبة لا أتمنى أبدًا أن تفتح جرائدنا ، تتابع قنواتنا، أخبارنا، صحفنا، مسلسلاتنا، إنها مخزية، إنها خالية من التضحية والفداء خالية من الكتمان الكل أصبح مطبعا علنا دون خجل، إن ثمة رائحة محروقة تنبعث من كل جهة عربية خالية تماما من أرواح القساميين الذين دربتهم على الجهاد، لم يحب أحد فلسطين كما أحببتها، لم يضحِ أحد بنفسه كما فعلت أنت، وحدك حرا في زنزاتك، بينما الكثيرون سجناء ومعتقلون خارج الزنزانة ، بل لو كان الأمر بيدهم ربما لرفعوا راية اليهود من داخل القدس، باسم السلام والتعايش الإسلامي.
أتعلم أيها البرغوثي أريد فقط أن تتأنّى قليلاً ؛لتسمع صوتا يصدر من جنوب شبه الجزيرة العربية إنه “الموت لأمريكا ، الموت لإسرائيل ” هل وصل إليك ذلك الصوت، هل تعلم ماعاشه شعبنا اليمني، إننا نعيش عذاب فلسطين بنكهة مغايرة، إن رائحة الاستشهاد تنبعث إلينا كل يوم وتحمل معها عشرات الشهداء بل يكاد الوضع يكون أسوأ حالا عن كل ما عاشه الفلسطنيين، إننا في شبة الجزيرة الغُرابية وليست العربية نموت كل يوم حصارا وجوا وبحرا ولا منقذ، قد مات أغلبنا ، ودُمرت مُنشأتنا بالقصف، والحرب المعلنة من قبل عالم مسلم، حتى أطفالنا القدامون إنهم يعيشون حالات مزرية في أرحام أمهاتهم، قد استشرفوا المستقبل في بطون أمهاتهم حين سمعوا صوت الصاروخ وهو يسقط، ورائحة الدمار وهي تنبعث، والآن هم يعانون من نقص مناعة حاد، وخوف مستدام، وتشويهات خلقية، جراء الجو الملوث من تلك القنابل المحرمة والحصار المقفع ؛ ولأن ثقتنا بالله كانت راسخة، أيدنا الله بانتصارات عظيمة، ستعجب حين تسمع بها، فالعالم كله قد اندهش من فرط انذهاله .
و كل هذا الحرب ؛لأننا صرخنا، كل هذا لأننا أحببنا الحرية كأنت، ورغم كل هذه العثرات لم ننسَ محببوتك (القدس ) إننا أكثر شعب لصيق بأطفال الحجارة، أكثر شعب تذوق معنى الجهاد، ومع تشابه الحروب بين أوطاننا ونزيف دماءنا وارتقاء شهداءنا، إلا أن زنزانتك تؤلمني كثيرا، أود أن أعرف كيف تعيش الآن أود لو أكسر الجسور وأحطمها، لأحررك ؛ وتعود حرا لأهلك ولعزيزتك فلسطين، أظل أتخيلك وأنت تكتب لابنتك تالا ، مالذي تحسه حينها، لقد تلقيت ضربات عدة في التحقيق وقد كنت جبلا متكئًا على يقينه، الآن كيف حالك هل حنينك للحرية، وللقدس ولأهلك قد أعياك طريح الروح، أم أنك لازلت تقاوم بنصوصك الناسفة، من تحت القسر الظالم، هل فقدت فعلا مازوشية الأيام والفصول، هل تدرك متى الوقت الآن أو أن الساعات عندك كلها واحدة، والأعياد متساوية، يتباطئ النبض فيني عندما أفكر بحياتك بعيدًا عن أسرتك داخل الزنزانة، ولكن سرعان مايعود النبض للحياة وأتباهى بحياتك المنذورة للجهاد منذ صغرك، نتباهى بإيمانك الراسخ وفصيلتك البرغوثية التي لم تطالها أي أيدي ملوثة، طابت وحدتك، وطابت نفسك التي قُدِّر لها أن تعيش ، طاب حرفك الذي مازلت تكتب فيه، ((ولعل الله بعد ذلك سيحدث أمرًا)) .
استدراك : أيها البرغوثي انتهيت من قراءة روايتك أمير الظل، وقد دونت لك ثلاثة أجزاء رغم عثرات فكري الجمودية، وابتعاد فجرها المنتظر في كهف ريفي ؛ لكني أصريت وكتبت ماشاء لي القدر به، ولم أستطع أن أحصر كل ما أردته، فهناك مواقف مؤثرة، استنزفت كل قدراتي الكتابية وتركت لي سطورا فارغة، وحروف بلا نقاط فلم أعد أعرف منها المقصود حتى أدونه ، ولا الطريقة المثلى ؛ حتى أكتب بها ، ربما الأيام القادمة هي من ستضع حدا لكل تلك التفاصيل المغلقة، ربما عندما أكبر كثيرا وتتقادم فيني معزوفة الكتابة، بتلك الغزارة التي يسقط بها المطر في أول ربيعه حينها سأكمل ماتركته فارغا .
الــــنهاية