الجزء الثاني
عفاف البعداني
وعلى الرغم من يقيني التام بالوحدة وما تحدثه في النفس من صفاء ذهن وراحة بال، إلا أنني جربت أن أعيش كالبقية، اندمجت مع الخلق أحببتهم وكم أحبوني، طموحة طيبة متعاونة نشيطة بسيطة، وبالمقابل عصبية، متهورة بعض الشيء، خائفة، أفلت يدي من كل شيء مريب ولو كان فيه متسعا من الإثارة والحب أتخلى بكامل قناعتي ، هذه الصفات يجمعون عليها لكني أعتبرها فقط صورة مصغرة التقطتها كموهبة اكتسبتها من الوجود لأكّون علاقات بشرية ناجحة، لكنني مختلفة من كوني معهم هنا في حجم تلك الصورة المألوفة والمحدودة ببعض الصفات، لاتغريني التفاصيل ولا المشاهد ولا حتى هتافات الجمل، أصدقها وألمح فيها شيء غريبا لايناسبني كي أعيشه معهم.
أنا لست كما يظنون ولا حتى كما ظننت، ظننت في يوم أنني لن أعيش بعد موقف وبعد خيبة وبعد صراع وبعد مرض، وعشت بكفاءة عالية، أتلقى جدلات قاسية وأقرأها ببرود هادئ، تخاطبني أصوات مخيفة فأنصت باطمئنان، أجرح من أحب الأشياء إلي وأصمت صمت مودع لا شيء جميل سوف يتذكره، أفقد طراوتي حين أجد من يمتحن سخاء سماحتي ويتخذها متكأ للاعتذار فقط.
أعرف كل شيء و لايمكنني فعل أي شيء، أيعقل أن أصفع الحدس، وأعري الخيال، وأجدف بالهواء، وأصرخ في وجه المجاملات، لا يمكنني ولو أطعت تخيلي، ظننت في يوم أنني سعيدة حاولت أن انتشل شعوري واعفيه من جموده، حاولت أن أعطي نفسي فرصة للحياة التي يتحدثون عنها، ولم أجد نفسي إلا جندي مهزوم في معركة لم يخضها بعد، وجدت شعوري مهدور في جهة مريبة لا آمان للصبح أن ينبعث منها أبدا، وكلها كانت بمثابة المستحثات الفكرية تصتدم بعقلي ويحتويها قلبي بعد كل حادثة لأكون أنا المواسية والمتعبة، المهنئة والمعزية، السقيمة والمتعافية في آن واحد وجسد واحد ، أتعب كثيرا وأرى الموت نجاة، لكنني للحظة أحب الحياة أريد أن أبقى أكثر لأعيش على معرفة حقة اتصف بها الصالحين، وعاشها الصوفيين عندما وجدوا الله في كل ذرة، حتى في الشقاءات كانوا يرون الله وكأنهم قد ماتوا وعلقت روحهم في بحر السماء الفاتح، رغباتهم متجلية نحو شيء لانراه لكنهم رأوه بعقيدتهم الروحية.
لا اخفيكم أشعر بالغربة التي تجلعني لا أجد من يشبهني، لذا فإنني عندما أحن أنظر للأعلى وعندما أشتاق أنظر لنفس المكان وحتى عندما يهلكني الأرق أغمض عيناي أراها أمامي أقصد السماء، يجرني الألم نحوها بشدة أحيانا أرى يدا تمزق أطراف ثيابي لأستجيب وأرى نحو الأرض في النهاية استسلم للأرض، ولازلت في هذه المرحلة أحدق نحو السماء، يحدث أن أن أبكي كثيرا دون أي صوت لكني لازلت متمسكة بحبل يشدني للسماء، للطف الله الذي ينقذني كل مرة، ويقويني عند اقترافي لأي خطيئة.
لا أشعر بالآمان مع أي أحد، ولا بالوجود في حضرة أي شخص، ولا تنتابني الثقة حيال أي وعود، موضع واحد يحييني بالحقيقة وهو مكان هادئ ومظلم أدعو فيه ليسمعني الله ويرى ماذا يحدث في نبضات هذا القلب الخافق، وروح هذه الفتاة الغريبة، مصباح النور يكفيني لأرى، وبعض الهواء يكفيني لأتنفس، وثوب واحد حري بالتدفئة، كوب واحد، وخبز شبه دائري أتدبر به يومي، لم أحتج لأشياء كثيرة، ولم تعد تثيرني الأشياء المكلفة، كلها أتعثر بها لأجدني هنا فقط في قلب الكتابة والحياة.